محمد بن جرير الطبري

151

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عن ابن عباس ، في قوله : وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً قال : هم أهل الكتاب . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً من يهود . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً من يهود ، قال : ولا تسأل يهود عن أمر أصحاب الكهف ، إلا ما قد أخبرتك من أمرهم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً من أهل الكتاب . كنا نحدث أنهم كانوا بني الركنا . والركنا : ملوك الروم ، رزقهم الله الإسلام ، فتفردوا بدينهم ، واعتزلوا قومهم ، حتى انتهوا إلى الكهف ، فضرب الله على أصمختهم ، فلبثوا دهرا طويلا حتى هلكت أمتهم وجاءت أمة مسلمة بعدهم ، وكان ملكهم مسلما . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ وهذا تأديب من الله عز ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم عهد إليه أن لا يجزم على ما يحدث من الأمور أنه كائن لا محالة ، إلا أن يصله بمشيئة الله ، لأنه لا يكون شيء إلا بمشيئة الله . وإنما قيل له ذلك فيما بلغنا من أجل أنه وعد سائليه عن المسائل الثلاث اللواتي قد ذكرناها فيما مضى ، اللواتي إحداهن المسألة عن أمر الفتية من أصحاب الكهف أن يجيبهم عنهن غد يومهم ، ولم يستثن ، فاحتبس الوحي عنه فيما قيل من أجل ذلك خمس عشرة ، حتى حزنه إبطاؤه ، ثم أنزل الله عليه الجواب عنهن ، وعرف نبيه سبب احتباس الوحي عنه ، وعلمه ما الذي ينبغي أن يستعمل في عداته وخبره عما يحدث من الأمور التي لم يأته من الله بها تنزيل ، فقال : وَلا تَقُولَنَّ يا محمد لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً كما قلت لهؤلاء الذين سألوك عن أمر أصحاب الكهف ، والمسائل التي سألوك عنها ، سأخبركم عنها غدا . إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ . ومعنى الكلام : إلا أن تقول معه : إن شاء الله ، فترك ذكر تقول اكتفاء بما ذكر منه ، إذ كان في الكلام دلالة عليه . وكان بعض أهل العربية يقول : جائز أن يكون معنى قوله : إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ استثناء من القول ، لا من الفعل كأن معناه عنده : لا تقولن قولا إلا أن يشاء الله ذلك القول ، وهذا وجه بعيد من المفهوم بالظاهر من التنزيل مع خلافه تأويل أهل التأويل . وقوله : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ اختلف أهل التأويل في معناه ، فقال بعضهم : واستثن في يمينك إذا ذكرت أنك نسيت ذلك في حال اليمين . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن هارون الحربي ، قال : ثنا نعيم بن حماد ، قال : ثنا هشيم ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، في الرجل يحلف ، قال له : أن يستثني ولو إلى سنة الحلف ، وكان يقول : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ في ذلك قيل للأعمش سمعته من مجاهد ، فقال : ثني به ليث بن أبي سليم ، يرى ذهب كسائي هذا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، في قوله وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ الاستثناء ، ثم ذكرت فاستثن . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا المعتمر ، عن أبيه أبو المعتمر ، في قوله : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ قال : بلغني أن الحسن ، قال : إذا ذكر أنه لم يقل : إن شاء الله ، فليقل : إن شاء الله . وقال آخرون : معناه : واذكر ربك إذا عصيت . ذكر من قال ذلك : حدثني نصر بن عبد الرحمن ، قال : ثنا حكام بن سلم ، عن أبي سنان ، عن ثابت ، عن عكرمة ، في قول الله : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ قال : اذكر ربك إذا عصيت . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن أبي سنان ، عن ثابت ، عن عكرمة ، مثله . وأولى القولين في ذلك بالصواب ، قول من قال : معناه : واذكر ربك إذا تركت ذكره ، لأن أحد معاني النسيان في كلام العرب الترك ، وقد بينا ذلك فيما مضى قبل . فإن قال قائل : أفجائز للرجل أن يستثنى في يمينه